ملا محمد مهدي النراقي
19
جامع السعادات
والتمييز بين مخارج الحروف المتقاربة من غير اهتمام فيما عدا ذلك ، من حضور القلب والتفكير في معاني الأذكار ، ضنا منه أنه إذا صحت القراءة فالصلاة مقبولة ، وهذا أقبح أنواع الغرور . و ( منهم ) من أغتر بالصوم ، وربما صام الأيام الشريفة ، بل صام الدهر ، ولم يحفظ لسانه عن الغيبة ، ولا بطنه عن الحرام عند الافطار ، ثم يظن بنفسه الخير ، وذلك في غاية الغرور . ( ومنهم ) من اغتر بالحج ، فيخرج إلى الحج من غير خروج عن المظالم وقضاء الديون وطلب الزاد الحلال ، ويضيع في الطريق الصلاة ، ويعجز عن طهارة الثوب والبدن ، ثم يحضر البيت بقلب ملوث برذائل الأخلاق وذمائم الصفات ، ومع ذلك يظن أنه على خير . فهو في غاية الغرور . و ( منهم ) من أغتر بقراءة القرآن ، فيهذ هذا ، وربما يختم في اليوم والليلة مرة ، فيجري به لسانه ، وقلبه مرددا في أودية الأماني ، وربما أسرع في القراءة غاية السرعة ، ويظن أن سرعة اللسان من الكمالات ، ويتفاخر به على الأمثال والأقران . ( ومنهم ) من أغتر ببعض النوافل ، كصلاة الليل ، أو مجرد غسل الجمعة أو أمثال ذلك ، من غير اعتداد بالفرائض ، زاعما أن المواظبة على مجرد هذه النافلة ينجيه في الآخرة ، فهو أيضا من المغرورين . ( ومنهم ) من تزهد وقنع بالدون من المطعم والملبس والمسكن ، ظانا أنه أدرك رتبة الزهاد ، ومع ذلك راغب في الرئاسة باشتهاره بالزهد ، فهو ترك أهون المهلكين بأعظمها ، إذ حب الجاه أشد فسادا من حب المال . ولو ترك الجاه وأخذ المال لكان أقرب إلى السلامة ، فهو مغرور إذ ظن أنه من الزهاد ، ولم يعرف أن منتهى لذات الدنيا الرئاسة ، وهو يحبها ، فكيف يكون زاهدا ؟ الطائفة السادسة المتصوفة والمغترون فيهم أكثر من أن يحصى : ( فمنهم ) أرباب البوقات ، وهم القلندرية الذين لا يعرفون معنى